أبي منصور الماتريدي
313
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
جلده ولحمه وعظمه فتحرقها كذلك « 1 » أبدا ، ولا تبقي له روحا ولا تذره فيهرب منها ؛ فيتخلص من عذابها . وقوله - عزّ وجل - : لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ : قيل « 2 » فيه بوجوه : قيل لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ، أي : محرقة للجلد ، فالبشر : الجلد ، فجائز أن خص الجلد بالتلويح ؛ لأن الجلد من الإنسان هو الظاهر ؛ فيكون ظاهر الإحراق مؤثرا فيه ؛ فخصه بالذكر لهذا ؛ كما سمي الإنسان : إنسانا ؛ لظهوره لكل من هو من أهل الروية ، وسمي الجن جنا : لاستتاره عمن ليس من جنسه ، وهو كقوله - عزّ وجل - : كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ [ النساء : 56 ] . وقيل : لَوَّاحَةٌ ، أي : ظاهرة للبشر ؛ كقوله تعالى : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ [ الشعراء : 91 ] . وقوله : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى [ النازعات : 36 ] ، أي : [ تظهر لهم ] « 3 » وتلوح ، فينظرون إليها ، ويتيقنون بالعذاب . ويحتمل أن يكون قوله : لَوَّاحَةٌ ؛ لأن النار تأكل جلودهم ولحومهم ؛ فتظهر عظامهم وتلوح عند ذلك ، ثم تبدل جلودا ولحوما ، [ أبدا ] « 4 » على هذا مدار أمرهم . وقوله - عزّ وجل - : عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ : روي عن ابن عباس - رضي الله عنها - أنهم خزنة جهنم مع كل واحد من الأعوان ما لا يحصى ، وذكر أن ستة منهم يقودون الكفرة إلى النار ، وستة يسوقونهم ، وستة يضربونهم بمقامع من الحديد والنيران ، والآخر هو الخازن الأكبر ، وهو مالك يأمرهم بما أمر هو به . ويحتمل : أن يكون في السقر تسعة عشر دركا « 5 » ، وقد سلط على كل درك ملك ؛ وذلك لأن جهنم ذات حد في نفسها ؛ لأن الله تعالى وعد أن يملأها من الجنة والناس ، ولو لم ترجع إلى حد ، لكان لا يتحقق امتلاؤها بالقدر الذي ذكر . ويحتمل : أن يعذب فيها بتسعة عشر لونا من العذاب ، قد وكل واحد منهم أن يعذب بنوع من ذلك ، والأصل : أن الله تعالى حكيم يعلم أن في كل فعل من أفعاله حكمة
--> ( 1 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير ( 35434 ) ، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 456 ) وهو قول قتادة ومجاهد وأبي رزين . ( 2 ) في ب : لذلك . ( 3 ) في ب : تطهرهم . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في أ : دركات .